الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

99

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يصلح هذا أن يكون مثلا لحال ضلال الضالين وهدى المهتدين نشأ عن قوله : فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ إلى قوله : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [ الزمر : 41 ] . والمعنى : أن استمرار الضالّ على ضلاله قد يحصل بعده اهتداء وقد يوافيه أجله وهو في ضلاله فضرب المثل لذلك بنوم النائم قد تعقبه إفاقة وقد يموت النائم في نومه ، وهذا تهوين على نفس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم برجاء إيمان كثير ممن هم يومئذ في ضلال وشرك كما تحقّق ذلك . فتكون الجملة تعليلا للجملة قبلها ولها اتصال بقوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ إلى قوله : فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الزمر : 22 ] . ويجوز أن يكون انتقالا إلى استدلال على تفرد اللّه تعالى بالتصرف في الأحوال فإنه ذكر دليل التصرف بخلق الذوات ابتداء من قوله : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إلى قوله : فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [ الزمر : 5 ، 6 ] ، ثم دليل التصرف بخلق أحوال ذوات وإنشاء ذوات من تلك الأحوال وذلك من قوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله : لِأُولِي الْأَلْبابِ [ الزمر : 21 ] وأعقب كل دليل بما يظهر فيه أثره من الموعظة والعبرة والزجر عن مخالفة مقتضاه ، فانتقل هنا إلى الاستدلال بحالة عجيبة من أحوال أنفس المخلوقات وهي حالة الموت وحالة النوم . وقد أنبأ عن الاستدلال قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، فهذا دليل للناس من أنفسهم ، قال تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] وقال : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ الروم : 28 ] ، فتكون الجملة استئنافا ابتدائيا للتدرج في الاستدلال ولها اتصال بجملة خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وجملة أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ المتقدمتين ، وعلى كلا الوجهين أفادت الآية إبراز حقيقتين عظيمتين من نواميس الحياتين النفسية والجسدية وتقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي لإفادة تخصيصه بمضمون الخبر ، أي اللّه يتوفّى لا غيره فهو قصر حقيقي لإظهار فساد أن أشركوا به آلهة لا تملك تصرفا في أحوال الناس . والتوفّي : الإماتة ، وسميت توفّيا لأن اللّه إذا أمات أحدا فقد توفّاه أجله فاللّه المتوفّي وملك الموت متوفّ أيضا لأنه مباشر التوفّي . والميت : متوفى بصيغة المفعول ، وشاع ذلك فصار التوفّي مرادفا للإماتة والوفاة مرادفة للموت بقطع النظر عن كيفية تصريف ذلك واشتقاقه من مادة الوفاء . وتقدم في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ في سورة البقرة [ 234 ] : وقوله : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ في سورة السجدة [ 11 ] .